محمد أبو زهرة

57

المعجزة الكبرى القرآن

وفيه القصص والعبرة ، وما كانوا يعلمون شيئا من ذلك من قبله . فيه قصة أبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام ، وقصة بناء الكعبة وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ [ البقرة : 127 ] ، وفيه أنباء البلاد العربية التي تعلن آثار الأقوام عما أنزله اللّه تعالى بهم ، وفيه قصة موسى عليه السلام ، وفيه قصة مريم ، وتربيتها ، وكيف اختصموا في كفالتها ، وكيف يستخدمون القرعة بالسهام لتكون كفالتها لمن تكون السهام له : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 44 ) [ آل عمران : 44 ] . قرءوا ذلك وسمعوه ، فكان العجز لهذه الأمور الذاتية ، لا لأمور أخرى ليست من القرآن . الصرفة 33 - عرف العرب أنهم عجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن ، وعللوا عجزهم بما استرعاهم ما فيه من حلاوة اللفظ ، وطلاوة المعنى والتركيب ، وعمق ما اشتمل حتى إنه مغدق في جذوره كلما تكشف القارئ عن عمقه رأى ما لا يصل إليه البشر ، وكلما اتجه إلى أعلاه وجد ثمرا شهيا . هذا أمر ظاهر ، ولكن الفلسفة التي تسيطر على عقول بعض الناس ، ولا تكون فيها ثمرة ناضجة قد يتجهون بها إلى كل ما يرونه بديئا في التفكير سواء أكان متصلا بالحق المجرد أم لم يكن متصلا ، وسواء أكان متفقا مع الإيمان والواقع أم لم يكن ، بل إن المتفلسفين ربما اتجهوا إلى الفكرة ، لا لأصالتها ، ولكن لغرابتها ، ولا لأنها لا بد منها لتحقيق الحق وإبطال الباطل ، ولكن للترف العقلي ، لا يفرقون بين أمر يتصل بالإيمان وأمر لا صلة له بالإيمان . وإن بعض المتفلسفين من علماء المسلمين اطلعوا على أقوال البراهمة في كتابهم « الفيدا » وهو الذي يشتمل على مجموعة من الأشعار ليس في كلام الناس ما يماثلها في زعمهم ، ويقول جمهور علمائهم أن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثلها ، لأن براهما صرفهم عن أن يأتوا بمثلها . يقول في ذلك أبو الريحان « 1 » البيروني في كتابه « ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة » ما نصه : « إن خاصتهم يقولون أن في مقدورهم أن يأتوا بأمثالها ، ولكنهم ممنوعون من ذلك احتراما لها » .

--> ( 1 ) توفى سنة 430 ه .